ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
204
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
البشر لا يعجز عنه الأزكياء ( 1 ) فالتشمير في طلب ذلك واجب على كل مكلف وينبغي أن يكون حاله إذا كان في عبادة فاطلع الناس كلهم عليه لم يزده ذلك خشوعا ولم يدخله سرور بسبب اطلاعهم عليه وإن داخله سرور يسير بطبع البشرية فيجهد في رده بكراهة العقل والإيمان ولا يلتفت قلبه إلى الخلق إلا بخطرات ضعيفة لا تشق عليه إزالتها فمن علامة الصدق في ذلك أنه لو كان له صاحبان أحدهما غني والآخر فقير فلا يجد عند إقبال الغني زيادة هزة ( 2 ) في نفسه لإكرامه إلا إذا كان في الغني زيادة علم أو زيادة ورع فيكون مكرما له بذلك الوصف لا بالغنى فمن كان استرواحه ( 3 ) إلى مشاهدة الأغنياء أكثر فهو مرائي أو طماع وإلا فالنظر إلى الفقراء يزيد في رغبة الآخرة ويحبب إلى القلب المسكنة والنظر إلى الأغنياء بخلافه فكيف استروح إلى الغني أكثر مما استروح إلى الفقير وزيادة إكرام الغني إذا كان أقرب إليك إذ كان بينك وبينه حق وصداقة وسابقة ولكن يكون بحيث لو وجدت تلك العلاقة في فقير لكنت لا تقدم الغني عليه في إكرام وتوقير البتة فإن الفقير أكرم على الله من الغني فإيثارك له لا يكون إلا طمعا ورياء ثم إذا استويت ( 4 ) بينهما في المجالسة فيخشى عليك أن تظهر الحكمة ( 5 ) والخشوع للغني أكثر مما تظهره للفقير وإنما ذلك رياء خفي أو طمع خفي كما قال ابن السماك لجارية له ما لي إذا أتيت بغداد فتحت لي الحكمة قالت الطمع يشحذ لسانك ( 6 ) وقد صدقت بأن اللسان ينطلق إلى الغني بما لا ينطلق عند الفقير وكذلك يحضر عنده الخشوع ما لا يحضره عند الفقير ومكايد النفس وجناياتها في هذا الفن لا تنحصر ولا ينجيك منها إلا بأن تخرج ما سوى الله عن قلبك وتتجرد للشفقة على بقية عمرك ولا ترضى لها بالنار بسبب شهوات منغصة ( 7 )
--> ( 1 ) في بعض النسخ [ لا يعجز عنه الأذكياء ] بالذال . ( 2 ) الهزة بالكسر : النشاط والارتياح . وبالفتح مرة من الهز وهو التحريك . ( 3 ) استروح استرواحا : وجد الراجة . واستراح إلى الشيء سكن : ( 4 ) في بعض النسخ [ ثم إذا أسويت بينهما ] : ( 5 ) الحكمة : العلم . الحلم . العدل . الفلسفة . صواب الأمر وسداده . ( 6 ) شحذ شحذا من باب منع واشحذ السكين أحده فهو شحيذ وشحوذ . ( 7 ) في البعض النسخ [ منقضية ] .